éditions workshop19                                                          choisissez votre langue »

Les mécaniciens du livre, réparateurs de véhicules et moteurs culturels en panne

 

ATELIER TUNISIEN DE CRÉATION

Actualités
Dimanche Mai 28, 2017

Talimambo 1

A la une

Les hydrocarbures non-conventionnels au Maghreb : un écocide annoncé

À l'occasion du Forum social mondial, qui débute le mardi 24 mars 2015 à Tunis, les éditions workshop19 et ATTAC France diffusent une brochure faisant un état des lieux de l'exploration et des projets d'exploitation des gisements de gaz de schiste au Maroc, en Algérie et en Tunisie et des résistances qui s'organisant contre cette folie.

Share
Lire la suite...
Multiple Image #1. Supports custom html.
Multiple Image #2. Supports custom html.
Multiple Image #3. Supports custom html.
Multiple Image #4. Supports custom html.
Multiple Image #5. Supports custom html.

15
Jan 2014
PDF
Imprimer
Envoyer

أقصوصة جديدة لفاروق الفرشيشي

 

من وحي لحظة حقيقية..

أنا ابن مدينة ميّـتة..

كلّما عدتُ إلى أحضانها، يستقبلني صقيع أناملها. لستُ غريبا و لكنّ أناملها باردة، و وجهها شاحب، و عيون أهلها سقطت مع خضرة أشجارها التي كانت تتخضب بها.. أسير في شوارعها متتبعا أثر طفولتي، لكن الشوارع فقدت ذاكرتها.. صدى الماضي يتردّد في خجل على ألسنة المارّة و رواد المقاهي، فبدا كأنه تسجيل خافت لأصوات المدينة حينما كان فيها حياة أو بعض حياة.. هل تغيرت المدينة؟ و هل يتغيّر الموتى؟ بعض الضمور لا أكثر.. التغيير لعبة من ألعاب الحياة.. ، ثم إنّ سمعك ينتبه إلى صراخ ساخر مقتضب مستهتر، لا هو بالغاضب و لا هو بالمرِح، و قبل أن تلتفت، كانت ذاكرتك قد عملت بما يليق، و إذا بك تبتسم في سعادة و أنت تستقبل وجه "يوسف المهبول"..

و من عادة يوسف حينما يحيّي الناس، أن يهتف بتحيته فتسمعه كل المدينة، و من عادته حينما يسأل الناس بعض المال أن يهتف بالسؤال فيعلم الجميع حاجته.. و حاجته يسيرة، لا تشقّ عليه و لا على مانحيه.. فيعود وسط النهار أو آخره بشيء من الخبز و التبغ و جريدة لا يعلم أحد ماذا يفعل بها. 
هو لا يبحث عن عمل و لا يبدو أن أحوال البلاد و العباد تعنيه و تشغله.. و أي أمر يشغل بال هذا الرأس الأشعث الأشيب الكبير؟ إنه مجنون، لذلك لا يلتفت إلى أخبار عالم لا يعرفه. العالم عند يوسف، هو هذه الطريق التي تمنحه قوته، و البشرُ، هم هؤلاء الذين يلقاهم هنا. أما أولئك الذين تجود بهم شاشات التلفاز و صور الجرائد، أولئك الذين لا يرى جنونه في أعينهم المستغرِبة المشفقة، فلا يعينه أمرهم، و لا يعترف بوجودهم.

حكمة البشر ترنو أن تجد سببا لكلّ طريق نسلكها. الحاجة تصنع السبيل و تُوجد الهدف. و لأن يوسف لا يملك شيئا من حكمة أهل مدينته، فهو ينطلق في شوارعها بلا سبيل و لا هدف. لكنّه يجدّ في سيره، و ينظم خطواته في حركات عسكرية تخلق شيئا من الضحك البريء هنا و هناك.. حيثما يمرّ يوسف، يذوب الجليد عن الوجوه، و تنبت ابتسامة دافئة متحدّية الزمان. تبعته متعجبا لخطواته الواثقة، و يده التي تمتد أحيانا إلى المارّين كأنها تعطي و ليست بآخذة. 
كيف يعرف المجنون طريقه؟ تلك القدمان الحافيتان الغليظتان. كأنهما تسألان الأرض في كل خطوة عن الخطوة التالية. هذا الجسم الضخم الذي كسته ثياب الحشمة، لا يبدو محتاجا إلى عقل ليهتديَ إلى طريقه. و لأنّ الفضول قد امتلكني، فقد أصررتُ على تتبّعه.. تجاوز الحديقة الكبيرة، و عرّج نحو سوق المدينة.. صوت العصافير و الرائحة الكريهة، جاران أزليّان هنا. يلقي يوسف التحية على العصافير بشيء من الصفير الرقيق الذي يجيده، و يتجه نحو الرائحة الكريهة كأنه على موعد مع فطور الصباح. لقد بدأت طقوس نبش القمامة..

 

يروي الناس قصة يوسف مع الجنون بشيء من الحسرة، و يضفون عليها ألوانا شتى من الدراما و من ألاعيب الخيال. قيل إنه على قدر كبير من الثقافة، و إنه اجتهد في علمه حتى ذهب به إلى بلاد الألمان، و إنه بذل من نفسه في تحصيل العلم بقدر ما بذل في تحصيل المال، فكان يرسل كل ما يبقى له إلى والده حتى يبنيَ له بيتا و يعدّ له العدة لعودته. و حينما عاد إلى الديار، اكتشف أن والده بذر ماله في أرحام بنات الحلال، و لم يترك له مليما واحدا. فكان ذلك سببا لخروجه عن حكمة البشر. و الحق أن القصة بدت لي أشبه بحكايات البوذيين، حتى إنني أتساءل أيّ عبقريّ صاغ أسطورة كهذه. أهو اللاوعي الجمعيّ حقا؟ أم هي طبيعة الحياة؟ و هل قصة كهذه تدعو إلى الحكمة أم إلى الجنون؟

وجد كتابا.. 
أخرجني المشهد من تأملاتي، فعدتُ أراقب يوسف مستندا إلى شجرة كينا (كالاتوس) نجت من مجازر بلدية المدينة. قلـّب الكتاب بين يديه المكتنزتين، و مسح عنه القذارة في عناية و اهتمام. ثم فتح الكتاب و بدا كأنه يقرأ بعض ما فيه. هل يجيد المجانين القراءة؟ ربما يجيدون قراءة كتب القمامة، فالحكمة تقضي أن لا يقرب المرء من القمامة و أن لا يفتح كتبها. اِبتعد عن الحاوية و محيطها مكتفيا بالكتاب الذي لقيه. كتاب كبير، أصفر الغلاف، لم تذهب بلمعانه القمامة، و لا تجاهلُ العاقلين. و الأرجح أنه معجم، يهدي الباحثين عن المفردات، و يجيب السائلين عن المعاني. هذا الجسم الذي ذهب عقله و تركه حافيا شبه عار يقتات من المارّة و القمامة، يهتمّ للغة و المعاني؟ ماذا يفيد منها؟ أيْ يوسف! إنك لتدهشني!

لكنّ الرجل لم يكتف بتنظيف الكتاب فحسب، بل إنه رفع رأسه و نادى الطفل المارّ بقربه ببساطة كأن بينهما قربى :" يا حمّادي! هاك كتاب، هاك!" و لأنّ الطفل لا يسمّى حمادي، و إنما هو اسم ينادي به يوسف جميع العاقلين، و لأن حكمة العاقلين قد تسرّب بعضها إلى رأسه الصغيرة، فقد ارتبك و جزع لهيئة المجنون المريعة، و خشيَ أن يصيبه مكروه، و ظنّ أنه غير معنيّ بالنداء. لكنّ شكل الكتاب أعجبه، و حمله على الثبات. أما يوسف، فلم يكن ليلحظ كلّ ذلك، كان جسده يستعيد مشيته الثابتة المتواضعة البسيطة، و هو يتقدم نحو الطفل فاردا يده بالكتاب نحو الفتى. فكّر الفتى قليلا، ثم اختطف الكتاب من يد المجنون و ركض مبتعدا، أما يوسف فأطلق ضحكة ساخرة و هتف مبتعدا : "أقرا مليح عاد!" 

هممتُ أن أتبع يوسف، لكن سمعتُ هتافا حيث ذهب الفتى، فاستدرتُ أتابع ما حلّ به. كانت امرأة تنهره و تفتكّ الكتاب من يده. لعلّها أمه و قد رأته يأخذ الكتاب من المجنون. أسمعها تصرخ فيه مربيّة :" كيف تأخذ زبالة هذا المجنون؟ هل ينقصك كتاب في المنزل حتى تتسول من المتسولين؟! أعد الكتاب إلى القمامة و لا تعد إلى ذلك ثانية! تحرّك!"

للعقلاء حكمتهم، و للمجانين ضحكتهم الساخرة و كتبهم التي ترشدهم إليها أقدامهم الحافية.. للعقلاء مدينتهم الميّتة، و للمدينة مجانينها الذين يحيونها للحظة أو يزيد قليلا. فالمدينة و إن ذبلت، بمجانينها.

كانون الثاني 2014
 
 
Share
 
11
Jan 2014
PDF
Imprimer
Envoyer

 

Share
 
25
2013
PDF
Imprimer
Envoyer

فاطمة العياري

23/12/2013

الڨرصون : سيدي علي، عجبتك القهوة ؟

..سيدي علي : ماهيش دونيّة، ٱما مش كينّها ناقصه فتيّته سكّر، ماهيش حلوه كيف العادة

..الڨرصون : آه، سامحني سيدي علي، آما عرفي وصّاني باش نقّص من السكر، إنت الأدرى بحال البلاد سيدي

..سيدي علي : ربي يستر .. كاينو عندك ما تقول لي، هيا إحكي، بق ٱك البحصة إلي في فمّك، هاني نسمع فيك

الڨرصون : سيدي علي، ماو جاني وليّد شهلول و في وجهه الضو كيما يقولوا، نعرفو عندي مديْدة، تعرفت عليه في ..الفيسبوك و..

سيدي علي مقاطعا الڨرصون : الفيس..الفيس شنوه ؟

الڨرصون : الفيسبوك سيدي علي .. هاذي حاجة جديدة من وراء العقل .. لازم تكون عندك "كنكسيون" باش تعمل فيه .."كُنْت" و 

!سيدي علي مقاطعا الڨرصون : "كنكسيون" .. و شنوه هاذي زاده؟ خليقة و إلا صنيعة ؟

الڨرصون : كيفاش باش نفسرهالك هاذي زاده؟ تعرفش كيفاش سيدي علي، الوليّد إلي حكيت لك عليه "جنيور"، مهف متاع "أنفرماتيك"، ٱخر مرة "فرمتلي البيسي" خلاه يمشي كي المنقالة ... أتو نوصيه يفهمك كل شيء.. الحاصيلو، هو جاب ليك ها الكتيب، قال كتبو هو و وصاني باش نعطيهولك و قال لي نقولك كان ما تراش مانع تقراه و تعطيه رايك فيه، رايك يهمه ياسر

السيد علي : تراه نشوفو .. الخروج عن الخط .. ماهوش دوني العنوان .. فاروق الفرشيشي .. و من الفراشيش زاده .. هالفراشيش ما مسيبين شيء و ما ينجمهم حد، يقوى عليهم ربّي (ضحكات متتالية) .. باهي، الليلة بحول الله نقراه و نعمل فيه رأي، الواحد ما صدق لربي يطيح بكتاب جديد بعد إلي أكثرية الناشرين داروا يبشمطولنا في البايت، يبدلوا في غلافات الكتب القدم و يطبعوا، تقولش ماخذينها وفقة، على مراد الله و برّه ..

(الڨرصون : كي عرفي، ما يحبوش ياخذوا "الريسْك" .. (ضحكات متتالية

لكن ضحكات النادل سرعان ما توقفت حين هز السيد علي حاجبه و قال و قد تبدلت نبرة صوته : يعطيك الصحّة ولدي، تنجّم .ترجع لخدمتك..

و إنصرف النادل، أما السيد علي فقد أخذ يقلب الكتاب وهو يتمتم : يظهر فيه ماهوش دوني، من عنوانه يظهر فيه كتاب قمقوم و فيه ما يقرأ الواحد .. ثم نظر للنادل وهو يحادث نفسه : هو كيفاش قال لي؟ كيفاش تعرف على صاحبو؟ من الفِسْ؟ من الفاسْ؟ ..

 

لقد فكرّت مطوّلا كيف أفتتح مقالي عن مجموعتك القصصيّة، خطر لي أن أُطنب في الحديث عن الفيسبوك و كيف تعرفت من خلاله عليك و قرأت أولى نصوصك، لكن مقدمتي وهي على هذا الشكل لم تكن لتعكس أثر "الخروج عن الخط" فيّ، خصوصا و أني قد قرأت بعض النصوص أكثر من مرة .. ليخطر ببالي هذا الحوار بين السيد علي (علي الدوعاجي) و نادل بمقهى (تحت السّور). و الحقيقة، ما كان خيالي ليجمح على هذا النحو لولا أن "الخروج عن الخط" قد فك رباطه و أطلق له العنان.

كانت الدهشة كبيرة و أنا أقع على نهاية الأقصوصة الأولى "إنتِ عمري..."، و لا أعتقد أنّ إختيارها لتكون فاتحة "الخروج عن الخط" كان إختيارا عبثيا، إذ أنها لم تخيّب رجاء الكاتب في تقديمه للقارئ، ككاتب لا تعوزه لا الجرأة و لا حس الحكواتي و شغف الخيال و لا الدراية بواقع ما فتئ يتشعب. كما أنها أكدت منذ البداية أن "الخروج عن الخطّ" ينأى بحرفه أن يكون وعاءًا حكائيّا فقط. "إنتِ عمري..." تبدو لك من الوهلة الأولى، قصة حبّ مستهجنة في مجتمع يقيم أفراده، عن قصد أو بدونه، حدودا وهميةً تفصلهم و تباعد بينهم على أساس لون البشرة و الإنتماء الجهوي و المستوى المادي و التعليمي و حتى اللهجة. و أنت تقرأ تفاصيلها، يتبادر إلى ذهنك سؤال ركيك : هل أسرف الكاتب كل هذا الحرف ليقدم لنا قصة حب بين شاب و فتاة يقف كل واحد منهما أمام خلفية مغايرة تماما لخلفية الآخر لتنتهي بخيانة الفتاة للشاب و عزم هذا الأخير على الإنتقام، هكذا ببساطة، كما دفعته و سوّلت له تلك الخلفية التي يقف أمامها ؟ قصة حب بين شاب و فتاة تحاول التشبث بأطرافها قصص جانبية عن الفتيات اللواتي يخيرن الظفر بأول عريس يطرق بابهن و أحلام الشباب التي تتبخر بسبب الأوضاع المادية السيئة و عن ملامح الشخصية الريفية الخجولة ...؟ هذا ما خطر ببالي بادئ الأمر، قبل أن أكتشف براعة الكاتب في مباغتة القارئ و مفاجأته. فالنهاية التي يكتشف من خلالها القارئ أن الفتاة باتت تقيم علاقة مثلية عجز الشاب القادم من وسط ريفي عن فهمها أو حتى مجرد التفكير في فرضيتها مما دفعه للإنسحاب و التراجع عن فكرة الإنتقام، هذه النهاية المفاجئة التي أعد لها الكاتب منذ البداية حتى إكتمت، أكدت أن "إنتِ عمري..." إنما هي حبكة قصصية مكتملة الملامح، تخترق الواقع و تعرّيه أمام القارئ ... و لأن من أهم شروط الأقصوصة الإيجاز، فإن الكاتب قد نجح في إختيار شخصياته : شاب و فتاة و بعض الكمبارس، و في مساعدة القارئ على بناء تصوّر خاص و ربما شخصي لكل شخصية و ذلك من خلال إستعمال أسلوب الإسترجاع (الفلاش باك) و كذلك من خلال إستنطاق البطل (الشاب) الذي يروي القصة بضمير الـ "أنا" الأمر الذي مكّنه من التعبير عن ذاته و مشاعره و هواجسه.. و مكّن الكاتب من النجاة بنصه من الاستطراد و السرد البطيء و منحه المبرر الفنّي لإستخدام المونولوغ الداخلي. هذا من حيث الأدوات القصصية و الأسلوب الذي إعتمده الكاتب أما من حيث اللغة، فإنك تلمس في "إنتِ عمري..." حسيّة مرهفة، منعشة، غير مقحمة و بعيدة كل البعد عن الإفتعال و الرغبة في الإثارة، بل هي ضرورة إستوجبتها الحبكة القصصية القائمة بالأساس على تطور العلاقة بين شخوص الأقصوصة : علاقة صداقة فعلاقة حب حسية بالأساس. 

نفس هذه اللغة الحسية، إعتمدها الكاتب في نص "الكَلْب و اللُّصُوص"، غير أنها بدت مكثفة أكثر. ذلك ما تطلبه النص الذي يبدو للوهلة الأولى "مكرّرا" في محتواه حيث تطرق لتلك النظرة الذكورية السائدة لجسد المرأة بإعتباره سلعة للعرض و الطلب خاصة و أن المرأة المجسدة هنا هي فتاة هوى. في هذا النص، إعتمد الكاتب نفس الأدوات القصصية تقريبا بالإضافة إلى ضخ عدد لا بأس به من المفردات الدّارجة بالمجتمع التونسي، هذه المفردات كانت في نظري عبارة عن شحنة مُكَثّفة و معبّرة، لها من القدرة ما مكنتها من إلتقاط تفاصيل اللحظة بتدفّقاتها المختلفة (أحاسيس، إنفعالات، أفكار...) لتنعكس بعدها في مخيّلة القارئ و تخلق تلك الديناميكية التي بدا عليها النص. 

هذا الميل إلى اللغة الدارجة لدى الكاتب بلغ ذروته في نص "كُوميديَا الطّلبة.."، هذا النص الذي تميز عن بقية النصوص الأخرى في المجموعة بفعل تقاطعه مع الفن المسرحي. حيث إخترقت بعض خصائص و مميزات هذا الفن النصَّ و لعل من أهمها الحوار الذي ساهم في بناء أحداثه و إضفاء الحركية عليه بالإضافة إلى إعتماد معجم "مسرحي" بإمتياز (نادي المسرح، الركح، المشهد الأول، رقصة...). و بما أن المسرح كفن يقوم على ركيزة أساسية ألا وهي بنية الصراع فإن هذا النص كان وفيَّا لهذه البنية إذ أنه يقدم و يعكس صراعا ما فتئ يتشكل و يتطور منذ أحداث 17 ديسمبر 2010 بتونس ألا وهو الصراع بين من يدعون إلى التدين و من يدافعون عن حرية التعبير و ممارسة الفن. 

هذه النية لدى الكاتب في تعرية الواقع و في إستدراج بعض الشخوص إلى عالمه القصصي و تحويلها إلى شخصيات "حبرية" بدت واضحة في بقية النصوص و أخص بالذكر منها "بن رشيق"، "الخروج عن الخطّ"، "المواجهة"، "شيء من الظُّلمة" و "المصلحة" حيث تتجلى لنا شخصية الشرطي المرتشي و المعلمة الصارمة و الطفل الحالم و العاطل و الشاب المرتد سرّا عن دينه و الفتاة الثائرة ... 

غير أن الكاتب يحيد عن هذه الرغبة في نصّي "سندريلا - القصة الحقيقية" و "رائحة العِشْق"، حيث يطلق العنان لخياله و تتجلّى لنا، نحن القراء، قدرته على مزج الواقع بالخيال من ناحية وحس الحكواتي لديه من ناحية أخرى. فحين تبدأ في قراءة "سندريلا - القصة الحقيقية"، لعلك تتمتم في غفلة عن النص "فاش قاعد يخرّف هذا" و لكنك سرعان ما تعجب من قدرة الكاتب على "صناعة التخييل"، و ما الحوار الذي إختلقته شخصيا بين الكاتب علي الدوعاجي و النادل إلا خير دليل على قدرة الكاتب على التخيّل و على دفع قارئه للإندماج معه في هذه اللعبة. فيصير النص قابلا للتمطط على مستوايين: زمنيا و مكانيا، و واقعيا و خياليا. هذا الحيز الواسع الذي كانت له من القدرة و السلاسة ما يكفي لتجتمع سندريلا و عبد الرزاقي الشابي (مقدم برامج تونسي) في نص واحد أسميه أنا : النص الحُلم، النص "المنامة"... بمعنى أوضح، النص هو سناريو فريد لحُلم تراه و أنت يقظ. حين تصحو من "المنامة" يتبادر إلى ذهنك العديد من الأسئلة لعل أهمها : من أين أتى الكاتب بكل هذه الجرأة ليكسر هذه الهالة/"القُدسية" المحيطة بقصة "سندريلا"؟ كيف إستطاعت شخصية "سندريلا" أن تكون جزء من الذاكرة الجماعية العالمية و كيف ظللنا نحن القراء، إلى حدود تلك اللحظة التي قرأنا فيها نص "سندريلا - القصة الحقيقية"، كيف ظللنا نتعامل معها و نتقبلها بكل تلك العفوية و السذاجة التي منعتنا من التشكيك فيها أو إنتقادها حتى؟ هل نحن بصدد "صناعة" شخصيات جديدة بدأت تحتل هي الأخرى الذاكرة الجماعية (عبد الرزاق الشابي كأنموذج) أم أنها مجرد كومبارس إستوجبته الحبكة في النص؟

في نص "رائحة العِشْق"، يختلف المشهد تماما...إذ يتبادر إلى ذهنك و أنت تلتهمه (صدقا إلتهمت هذا النص)، أن الكاتب قد تلحّف بعباءة و طربوش الحكواتي. نص معتّق، هكذا أجده،. حاول الكاتب من خلاله إستحضار روح القيروان القديمة من خلال شخصية الشيخ علي بن مالك العطار الذي ظل يحاول إستحضار روح زوجته فاطمة حتى هلك.

 إن ملاحظاتي على بعض النصوص لا يعني أني أخيّرها على غيرها. إذ أن كل نص له من الخصوصية و من التفرد ما يمكّنه من البقاء عالقا بذهن القارئ. و هنا، أريد الإشارة إلى أن الكاتب قد نجح إلى حد كبير في تجاوز إشكالية الكتابة و إمكانيتها من عدمها و المجتمع التونسي يمر بهذا الكم الهائل من التحولات الجوهرية و العميقة و المتسارعة على عدة مستويات (ثقافية، إجتماعية، إقتصادية، تكنولوجية...) منذ إندلاع أحداث 17 ديسمبر 2010. و لعل نص "شيءٌ منَ الظلْمَة.." من أكثر النصوص التي كانت بمثابة المرٱة التي عكست الواقع التونسي المتحوّل.

إن مجموعة "الخروج عن الخط"، هي فعلا خروج عن المألوف و السائد، حاول من خلالها الكاتب أن يقدم نفسه للقراء ككاتب مختلف لا يتردد في إستعمال مصطلحات من قبيل "جوجل ماب" و "جوجل لوكيشن" ما دامت قد باتت من المصطلحات الرائجة، كاتب له من الجرأة ليكسر قوالب القصص القديمة و يعيد تركيبها كما يراها هو، كاتب لا يسكن برجه العاجي بل على العكس من ذلك، له من المعرفة و الدراية بمحيطه ما يمكنه من تعريته و توصيفه و مخاطبته بلهجته...

 غير أن إعجابي بهذه المجموعة البِكر لا يمنع أن لي بعض الملاحظات بخصوصها. أولى هذه الملاحظات تتع

لق بالغلاف الخارجي للكتاب، إذ أجده باهتا، خصوصا إذا قارناه بالإصدارات الأجنية، و ليست له تلك القدرة على جذب القارئ إليه. هذا من حيث الشكل، أما من حيث الأسلوب، فإني أجد بعض النصوص تعاني من الترهل و من "الثرثرة" اللغوية في جوانب منها و أخص بالذكر نص "إنتِ عمري..."، "كوميديا الطلبة" و "المواجهة". أعتقد أيضا أن الكاتب لديه كم هائل من المعارف و من المعلومات غير أنه قد أسرف في إستخدامها وهو يبني بعض النصوص مما أضر بجماليتها و كأمثلة على ذلك قوله : "فقط الشارب الغليظ الممتد كدرب اللبانة بين الأنف و الفم" و قوله : "أفظع من ذلك الذي سنعرفه عن معتقل سيبريا، و أبو غريب، و حتى جهاز الداخلية التونسي..". لكن المتأمل في تواريخ كتابة النصوص سيدرك حتما أن أسلوب الكاتب و نسق الكتابة و جماليتها في تطور متواصل، فمن خلال النصوص العشرة المكونة للمجموعة حافظ الكاتب من ناحية على قدرته على مفاجئة القارئ و مباغتته و تمكن من ناحية أخرى من تطوير أسلوبه إذ صارت النصوص أكثر "رشاقة" و تعكس أكثر روح الكاتب فاروق الفرشيشي، و ليس أرواح الكتاب الذين قرأ لهم القارئ النهم جدا فاروق الفرشيشي!


صديقي فاروق، أحسنت جدا!

Distribution Tunisie : CERES BOOKSHOP

Reste du monde : Cette adresse email est protégée contre les robots des spammeurs, vous devez activer Javascript pour la voir.

 

Share
 
<< Début < Précédent 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 Suivant > Fin >>

Page 9 sur 27

 

 

 

calendrier W19

May 2017
S M T W T F S
30 1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 31 1 2 3

Recevez nos actualités

défaut de fabrication

pile livres